صديق الحسيني القنوجي البخاري
254
فتح البيان في مقاصد القرآن
بالخيل والرجل حتى يؤخذ فيقام عليه الحد ، أو يخرج من دار الإسلام هربا ، وهو محكي عن ابن عباس وأنس ومالك والحسن البصري والسدي والضحاك وقتادة وسعيد بن جبير والربيع بن أنس والزهري . حكاه الرماني في كتابه عنهم . وحكي عن الشافعي أنهم يخرجون من بلد إلى بلد ويطلبون لتقام عليهم الحدود ، وبه قال الليث بن سعد ، وروي عن مالك أنه ينفى من البلد الذي أحدث فيه إلى غيره ويحبس فيه كالزاني ورجحه ابن جرير والقرطبي ، وقال الكوفيون نفيهم سجنهم ، فينفى من سعة الدنيا إلى ضيقها . والظاهر من الآية أنه يطرد من الأرض التي وقع منه فيها ما وقع من غير سجن ولا غيره ، والنفي قد يقع بمعنى الإهلاك وليس هو مرادا هنا قال مكحول أن عمر بن الخطاب أول من حبس في السجون يعني من هذه الأمة وقال : أحبسه حتى أعلم منه التوبة ولا أنفيه إلى بلد آخر فيؤذيهم ، وقال الكرخي ينفوا من الأرض إلى مسافة قصر فما فوقها لأن المقصود من النفي الوحشة والبعد عن الأهل والوطن ، فإذا عين الإمام جهة فليس للمنفي طلب غيرها ولا يتعين الحبس . ذلِكَ إشارة إلى ما سبق ذكره من الأحكام أَرْجُلُهُمْ أي للمحاربين خِزْيٌ فِي الدُّنْيا الخزي الذل والفضيحة وَلَهُمْ فِي الْآخِرَةِ عَذابٌ عَظِيمٌ هذا الوعيد في حق الكفار الذين نزلت الآية فيهم ، وأما المسلم فإنه إذا أقيم عليه الحد في الدنيا سقطت عنه عقوبة الآخرة . [ سورة المائدة ( 5 ) : الآيات 34 إلى 35 ] إِلاَّ الَّذِينَ تابُوا مِنْ قَبْلِ أَنْ تَقْدِرُوا عَلَيْهِمْ فَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ ( 34 ) يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَابْتَغُوا إِلَيْهِ الْوَسِيلَةَ وَجاهِدُوا فِي سَبِيلِهِ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ ( 35 ) إِلَّا الَّذِينَ تابُوا مِنْ قَبْلِ أَنْ تَقْدِرُوا عَلَيْهِمْ استثنى اللّه سبحانه التائبين من عموم المعاقبين بالعقوبات السابقة ، والظاهر عدم الفرق بين الدماء والأموال وبين غيرها من الذنوب الموجبة للعقاب المعينة المحدودة ، فلا يطالب التائب قبل القدرة بشيء من ذلك ، وعليه عمل الصحابة . وذهب بعض أهل العلم إلى أنه لا يسقط القصاص وسائر حقوق الآدميين بالتوبة قبل القدرة والحق الأول ، وأما التوبة بعد القدرة فلا يسقط بها العقوبة المذكورة في الآية كما يدل عليه ذكر قيد قَبْلِ أَنْ تَقْدِرُوا عَلَيْهِمْ . قال القرطبي : وأجمع أهل العلم على أن السلطان وليّ من حارب ، فإن قتل محارب أخا امرئ أو أباه في حال المحاربة فليس إلى طالب الدم من أمر المحاربة شيء ولا يجوز عفو ولي الدم فَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ بهم ، عبر بذلك دون : فلا تحدوهم ليفيد أنه لا يسقط عنه بتوبته إلا حدود اللّه دون حقوق الآدميين ، قال